صديق الحسيني القنوجي البخاري

442

فتح البيان في مقاصد القرآن

وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ في انتصاب كافة وجوه : فقيل : إنه منتصب على الحال من الكاف في أرسلناك قال الزجاج : أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ والكافة بمعنى الجامع ، والهاء فيه للمبالغة ، كعلامة . قال أبو حيان : إن اللغة لا تساعد عليه لأن كف ليس معناه جمع بل معناه منع ، يقال كف يكف أي منع يمنع والمعنى إلا مانعا لهم من الكفر ، ومنه الكف لأنه يمنع من خروج ما فيه ، وقيل إنه منتصب على المصدرية ، والهاء للمبالغة كالعاقبة والعافية ، والمراد أنها صفة مصدر محذوف أي إلا رسالة كافة ، وقيل إنه حال من الناس ، والتقدير : « وما أرسلناك إلا للناس كافة » ، ورد بأنه لا يتقدم الحال من المجرور عليه كما هو مقرر في علم الإعراب ، ويجاب عنه بأنه قد جوز ذلك أبو علي الفارسي وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون ، وممن رجح كونها حالا من المجرور بعدها ابن عطية وقال : قدمت للاهتمام والتقوى ورده الزمخشري وقال خطأ ، وقال المحلي : بل هو الصحيح ، وقيل المعنى إلا ذا كافة أي ذا منع فحذف المضاف ، قيل : اللام في للناس بمعنى إلى أي ما أرسلناك إلى الناس إلا جامعا لهم بالإنذار والإبلاغ أو مانعا لهم من الكفر والمعاصي . عن قتادة قال : أرسل اللّه محمدا إلى العرب والعجم فأكرمهم على اللّه أطوعهم له وعن جابر بن عبد اللّه قال قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة » « 1 » أخرجه البخاري ومسلم . وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس والجن وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام . بَشِيراً وَنَذِيراً حال أي مبشرا لهم بالجنة أو بالفضل لمن أقر ومنذرا لهم من النار أو بالعدل لم أصر وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ما عند اللّه وما لهم من النفع في إرسال الرسل فيحملهم جهلهم على مخالفتك . [ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 29 إلى 32 ] وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 29 ) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ ( 30 ) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ ( 31 ) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ( 32 )

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة ، أخرجه البخاري في التيمم باب 1 ، والصلاة باب 56 ، والجهاد باب 122 ، والتعبير باب 11 ، 12 ، والاعتصام باب 1 ، ومسلم في المساجد حديث 3 ، 5 - 7 ، 8 ، والترمذي في السير باب 5 ، والنسائي في الغسل باب 26 ، والجهاد باب 1 ، والدارمي في الصلاة باب 111 ، والسير باب 28 ، وأحمد في المسند 1 / 301 ، 2 / 222 ، 264 ، 268 ، 314 ، 396 ، 412 ، 455 ، 501 ، 3 / 304 ، 4 / 516 ، 5 / 162 ، 248 ، 256 .